--> لــون الــدم - Ya Melody | منتدى يا ميلودي
 

يو تيوب يا مليودي
منتدى الازهار
خليك يا مليودي
احمي روابطك في لنكاوي اعلن لدينا السعودية للاستضافة

 فيديو ليالي


 

العودة   Ya Melody | منتدى يا ميلودي > ¨'°OO°'¨ المنتدى الثقافي ¨'°OO°'¨ > منتدى القصة والخيال
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة
 

منتدى القصة والخيال قصص عربية , قصص أطفال , قصص غرامية , قصة قصيرة , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص الأنبياء , والكثير ,,,

فيديو يا ميلودي موقع عقاري للعقارات
فرصة !!! رشح نفسك للاشراف
رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع

 

قديم 29-06-2007, 07:33 PM رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
Sash_Necoly
صديق المنتدي


لــون الــدم

لــون الــدم

الحلقة الأولى


دوت أبواق سيارات الشرطة والإسعاف على نحو مزعج،

لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا  فقم بتسجيل دخول بعضويتك للمتابعة وإذا لم تكن  فيمكنك تسجيل عضوية جديدة مجانا ً ( من هنا )
اسم العضوية
كلمة المرور
التوقيع



رد مع اقتباس
 

 

قديم 30-06-2007, 01:03 PM رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو
Shoshaa
ميلودي محترف


افتراضي رد: لــون الــدم

جميييييييييييييييييييييييييييييييله جدا جدا جدا ساش مرسى ليك جدا بالرغم انه مرعبه بس بجد تحفه بليز متتاخر علينا ومرسى ليك
التوقيع


رد مع اقتباس
 

 

قديم 30-06-2007, 10:03 PM رقم المشاركة : 3 (permalink)
معلومات العضو
Heba
مشـ سابقة ـرفة


افتراضي رد: لــون الــدم

جميله يا ساش

يلا مستنين الباقى متتاخرش
التوقيع




لو مش هتحلم معايا ... مضـــطره أحلـــم بنفسي
لكني في الحلم حتـى ... عمري ما هحلم لنفسي




سألت ماما فين شهادة ميلادى
نفسي أعرف مين أنا
و فين بلادي
يا ماما مش لقيانى
قالتلى ضاعت
سألتها و الدنيا باعت؟
سكتت
أتاريني مش فارقه مع حد
و أتاري الدنيا من زمان بيعانى

رد مع اقتباس
 

 

قديم 13-07-2007, 07:45 AM رقم المشاركة : 4 (permalink)
معلومات العضو
Sash_Necoly
صديق المنتدي


افتراضي رد: لــون الــدم

لــون الــدم
الحلقة الثانيـة


من المؤكد أن ذلك المشهد، الذي رآه الرجال الثلاثة، في حجرة الفحص،
بقسم الطوارئ في المستشفى، لن ينمحي من ذاكرتهم قط، ما تبقى
لهم من العمر
هذا لو تبقى لهم المزيد من العمر
ففي ركن حجرة الفحص، كان زميل الدكتور حسن ملقى، وقد اتسعت
عيناه عن آخرهما، في ألم ورعب، وفي صدره فجوة كبيرة، تدفق منها
أنهار من الدم، في حين كانت الجثة.. أو بمعنى أدق، كان ذلك الشخص،
ذو الملامح الأجنبية، والشعر الأشقر القصير، والذي كان مجرد جثة
هامدة بلا رأس، منذ بضع ساعات، يقف على مسافة متر واحد من الرجل،
ممسكاً في يده قلبه
نعم.. قلبه
بوسيلة ما، لا يمكن تفسيرها قط، بأية قواعد علمية، أو طبية، أو منطقية،
استعاد حياته وحيويته ونشاطه، ونهض من رقاده، بجسد ورأس كاملين،
لا تنقصهما خلية واحدة، وانتزع قلب الطبيب المسكين، و
......

ففي ركن حجرة الفحص، كان زميل الدكتور حسن ملقى، وقد اتسعت
عيناه عن آخرهما، في ألم ورعب، وفي صدره فجوة كبيرة، تتدفق منها
أنهار من الدم
وبكل توتره وذعره، رفع صفوت مسدسه، صارخاً: توقف.. توقف وإلا

لم يدرِ ما الذي يمكن أن يهدد به شيئاً كهذا
شيئاً استعاد حياته، على نحو يخالف كل القواعد
شيئاً -لسبب ما- لا يموت أبداً
وبهدوء مخيف، استدار إليه ذلك الشخص، وهو مازال يمسك قلب الطبيب
بين أصابعه، وتطلع إليه بعينين باردتين كالثلج
واتسعت عيون الرجال الثلاثة، في رعب بالغ، وهم يحدقون في ذلك الوجه

من المنظور العام، كانت الملامح وسيمة جميلة إلى حد كبير
ولكن في تلك اللحظة، وتحت تلك الظروف، بدت لهم بشعة مخيفة
وإلى أقصى حد
ومرة أخرى، ومع تحرك ذلك الشخص نحوهم، صرخ صفوت: قلت: قف

ولكن ذلك الشخص اتجه نحوهم في هدوء بالغ
هدوء عجيب
مستفز..
مخيف..
ثم رفع يده إليهم
يده التي تحمل القلب البشري
الدامي..
ولوهلة، خيل إليهم أن القلب ينبض في يده، وبين أصابعه.. أو أنه كان
ينبض بالفعل
وبحيوية عجيبة
ومرة أخيرة، وفي نفس اللحظة التي اقتحم فيها حراس أمن المستشفى المكان، صرخ صفوت: قف.. لا تتقدم خطوة واحدة
ولكن ذلك الشخص تقدم خطوة أخرى وأدار يده نحو صفوت، والدم يسيل
منها على نحو بشع، و
وأطلق صفوت النار


لم يكن قراراً عقلانياً، وإنما رد فعل بشري طبيعي، أمام أمر يفوق كل
إدراك البشر وعقولهم
أمر مخيف
رهيب..
فدون حتى أن يدري، اعتصرت سبابته زناد مسدسه الرسمي، وانطلقت
الرصاصات في غزارة
انطلقت من فوهة المسدس، لتخترق رأس ذلك الشخص.. الرأس الذي
نما منذ ساعات قليلة
تسع رصاصات اخترقت الرأس، في عنف شديد
ومن مسافة قصيرة للغاية
وفي مشهد بشع، تحطمت أجزاء من الجمجمة، وبعض الأسنان، وقطعة من الفك السفلي، وانفجرت واحدة من العينين.. ولكن ذلك الشخص لم يسقط صريعاً
فقط تراجع لمتر أو يزيد، ثم اعتدل، وتطلع إليهم بعينيه المتبقية، في برود شديد، بعد أن ارتطم بمائدة الفحص، وأسقط كل ما عليها من أدوية الطوارئ، وأربطة الشاش، والقطن وزجاجات كبيرة من الكحول النقي، تحطمت على أرضية الحجرة، وأطلقت في المكان كله رائحة قوية، زادت من رهبة وعنف الموقف كله
وبكل رعب الدنيا، تراجع حراس الأمن، وانطلقوا يعدون هاربين، وهم يطلقون صرخات مذعورة، مع المشهد الرهيب
وفي ارتياع، صرخ الدكتور حسن: مستحيل مستحيل
والتصق الدكتور أحمد بالجدار في رعب لا محدود، واتسعت عيناه عن آخرهما، وساقاه تعجزان عن معاونته على الفرار، الذي تمناه في تلك اللحظة، كما لم يتمنَّ أى شيء آخر في الوجود
أما الرائد صفوت، فقد تراجع أيضاً خطوة، بعد أن فرغت خزانة مسدسه، لأول مرة في حياته، واتسعت عيناه في رعب، وهو يغمغم: ولكن ولكن
ثم فجأة، لمحت عيناه الكحول المسكوب، عند قدمي ذلك الشخص، والتمعت عيناه بفكرة مجنونة، والرائحة النفاذة تخترق أنفه، وتغوص في مخه حتى أعمق أعماقه
وبحركة بارعة سريعة، التقط قداحته من جيبه، وهو يقول في عصبية: فليكن.. ما من مخلوق حي، في الكون كله، يمكن أن ينجو من هذا
ثم أشعل القداحة، وألقاها تحت قدمي ذلك المخلوق، وهو يتراجع في قوة، ويدفع الدكتور حسن معه خارج الحجرة.. واتسعت عينا أحمد أكثر وأكثر، وهو يواجه تلك الجثة الحية وحده
وفي لحظة أو أقل، اشتعلت النيران
وعلى الرغم من هذا، واصل ذلك الشيء تحركه لخطوة أو خطوتين، وقد تحول إلى كتله من اللهب
واتسعت عينا أحمد عن آخرهما، وهو يصرخ
ويصرخ..
ويصرخ..
ولكن ذلك المشتعل توقف فجأة
ثم تراجع في عنف، وكأنما أصابته صاعقة مباغتة
وانطلقت من حلقه صرخة
أو هي شيء أشبه بالصرخة
لقد انطلق منه صوت أشبه ببئر عميقة، انطلق داخلها إعصار مباغت
صوت تردد في المستشفى كله
أو ربما في المنطقة بأكلمها
وصرخ أحمد مرة أخرى
وصرخ
وصرخ
ومع صرخاته، اندفع حراس الأمن مرة أخرى إلى المكان، حاملين أسطونات الإطفاء الحمراء، ولكن صفوت صرخ فيهم بكل عصبيته وتوتره: كلا
صاح به الدكتور حسن: هل جننت أيها الضابط؟ إن النيران مشتعلة
صرخ صفوت بعصبية أكثر، وهو يرفع مسدسه في وجوههم: قلت: كلا
كانت صرخات أحمد تخترق أذنه في قسوة، الدخان ينتشر في المكان كله، ممتزجاً برائحة شواء مخيفة، ولكن كل هذا لم يكن يساوي في نظره شروى نقير
كل ما سيطر على كيانه لحظتها، هو أنه من الضروري أن يحترق ذلك الشيء
وحتى آخر خلية منه
مهما كانت العواقب
وهذا ما حدث
بمنتهى الدقة
*******
الجثة المحترقة بأكملها، والتي بدت أشبه بتمثال من الفحم، كانت ترقد في سكون، على منضدة الفحص الرخامية، في قلب مشرحة زينهم
وبخطوات مرتجفة مترددة، دلف أحمد إلى المكان
كان يرتدي معطفه، وقفازيه، ويمسك بيده أكبر مشرط في المكان كله.. ولكن قلبه كان يخفق في عنف
بمنتهى العنف
أو أنه كان يرتجف بين ضلوعه
من العسير عليه أن يقوم بعمله هذه المرة
من العسير جداً
ولكنه تقدم من الجثة المحترقة
واقترب..
واقترب..
ولثوانٍ، حدق فيها صامتاً، وتطلع إلى الرأس المحترق، متمتماً: ترى هل من الممكن أن
لم يتم عبارته، وهو يرفع مشرطه بأصابع مرتجفة، ويتجه به نحو صدر الجثة، و
وفجأة انفتحت العينان دفعة واحدة
وحدقتا فيه بتلك النظرة الباردة المخيفة
واتسعت عيناه في رعب بلا حدود
وسقط المشرط الكبير من بين أصابعه
وحاول أن يتراجع
وأن ينطلق هارباً
ولكن قدميه تسمرتا في الأرض كما حدث في المرة السابقة، وظلت عيناه تحدقان في عيني الجثة، و
وارتفعت اليد المحترقة بغتة
واخترقت صدره
ثم أمسكت قلبه
لا.... -
انطلقت الصرخة من حلق الدكتور أحمد، وهو يهب جالساً في فراشه، وقلبه يخفق بمنتهى العنف
وعلى الرغم من خروجه من ذلك الكابوس البشع، فقد اتسعت عيناه عن آخرهما، وهو يحدق في كل ما حوله، وكأنما يتأكد من أنه في منزله وفي حجرة نومه
ولثلاث دقائق كاملة، ظل يخفق بذلك العنف، وأنفاسه تتلاحق، والعرق يغمر وجهه، قبل أن يتمتم: مستحيل.. أسبوع كامل، وذلك الكابوس يصر على مطاردتي كل ليلة.. أعتقد أنني لن أستطيع نسيان هذا أبداً



لم يكد يتم عبارته، حتى ارتفع رنين الهاتف المجاور لفراشه بغتة، على نحو جعله يقفز من مكانه، وهو يطلق صرخة مذعورة، ثم يختطف السماعة، هاتفاً في عصبية: من المتحدث، في مثل هذه الساعة؟
أتاه صوت الرائد صفوت، وهو يقول في دهشة: هذه الساعة؟ إنها الثامنة والنصف صباحاً.. أليس المفترض أن تذهب إلى عملك الآن؟
اتسعت عينا أحمد، وهو يتمتم في دهشة: الثامنة والنصف؟
قالها محدقاً في المنبه الكبير بجوار الهاتف، قبل أن يطلق زفرة متوترة، قائلاً: إنني في إجازة
قال صفوت في دهشة: لماذا؟ ألم تنتهِ كل التحقيقات، ويتم إغلاق الملف نهائياً؟
زفر أحمد مرة أخرى؟، قائلاً: إنني بحاجة إلى فترة من النقاهة وتهدئة الاعصاب
زفر صفوت بدوره، وهو يغمغم: كلنا بحاجة إلى هذا يا صديقي.. إنه أبشع ما مررت به في حياتي كلها.. لست أظنني سأنسى هذا قط
هز أحمد رأسه، قائلاً في توتر: الكوابيس مازالت تهاجمني كل ليلة
هتف صفوت: أنت أيضاً؟
أوما برأسه إيجاباً، دون أن ينتبه إلى أنهما يتحدثان عبر الهاتف في حين تابع صفوت كما لو أنه لم ينتظر جواباً: صدقني يا صديقي، أنا أيضاً ترادوني كوابيس مخيفة كل ليلة.. الأمر كله كان كابوساً كبيراً، ومازال يدهشني أن المسئولين قد استوعبوا القصة، على الرغم من غرابتها وعدم منطقيتها، ويسعدني أيضاً أنهم قد وافقوا على مطلبك بإذابة الجثة في حامض مركز، بعد فحصها وتشريحها، باعتبار أن هذا هو الحل الوحيد لاتقاء ما يمكن أن يحدث منها في المستقبل
اعتدل أحمد قائلاً: هذا ما أدهشني أكثر في الواقع.. بل لقد بدا لي أنهم مستعدون بالفعل للتصديق، أو أن
بتر عبارته بغتة، فاستحثه صفوت، قائلاً: أو أنهم ماذا؟
تردد أحمد لحظة، قبل أن يندفع، مجيباً: أو أنهم يعلمون
هتف صفوت، بكل دهشة الدنيا: يعلمون؟ مستحيل وكيف يمكن أن يعلموا أمراً كهذا؟
تنهد أحمد قائلاً: لست أدري، ولكن تصور نفسك في موضعهم، وشخص أتى ليخبرك بقصة كقصتنا، مع جثة محترقة، فهل كنت ستنهي الأمر بكل إجراءاته، خلال أسبوع واحد؟
غمغم صفوت، بلهجة تسلل إليها الشك: ولا حتى في عام كامل
قال أحمد في اهتمام أكثر: لماذا بدا الجميع متفهمين ومتعاونين إذن؟ وكيل النيابة ورجال المباحث العامة، وحتى رئيس مصلحة الطب الشرعي.. الكل استوعب رواية مذهلة، في سرعة أكثر مدعاة للذهول.. بل ووافقوا على إجراء فريد، لست أظن أحداً قد فكر فيه مجرد تفكير من قبل، وكأنهم أكثر رغبة منا في التخلص من الجثة.. ألم يلفت هذا انتباهك؟
أجابه صفوت في بطء، وكل حرف من حديثه يحمل قنطاراً من الشك والحذر: بكل تأكيد، ولكنني تصورت أن
بتر عبارته دفعة واحدة، دون سبب محدد، واستمر صمته بضع لحظات، قبل أن يقول في حزم: أعتقد أننا نحناج إلى التحدث وجهاً لوجه لبعض الوقت.. قل لي: هل يمكنك دعوتي إلى قدح من الشاي؟
أجابه أحمد في لهفة، وكأنما كان يتمنى هذا: إنني في انتظارك
*******
لم تمضِ نصف الساعة حتى ضمتهما مائدة صغيرة، مع قدحين من الشاي، في حجرة مكتب أحمد، وصفوت يقول في حسم: ما يدهشني أكثر أن التحقيقات قد انتهت، وتم إغلاق الملف، بأمر من النائب العام شخصياً، على الرغم من أن كل تحرياتنا لم تتوصل إلى معرفة شخصية القتيل أو هوية قاتله
سأله أحمد في دهشة: لماذا؟ ألم تجدوا شيئاً في حافظته الشخصية، أو في جيوب حلته؟
هز صفوت رأسه مجيباً: لم يكن يحمل حافظة، أو أية أشياء أخرى.. لقد كانت جيوبه كلها خالية تماماً
تراجع أحمد قائلاً: خالية تماماً؟ وكيف هذا؟.. كل شخص منا يحمل في جيبه شيئاً على الأقل.. تذكرة قطار قديمة، مفاتيح سيارته أو منزله، أو بعض النقود على الأقل
هز صفوت رأسه مرة أخرى، وهو يقول: إلا هذا الشخص.. لقد ذهب إلى الفندق، دون أن يحمل معه أية أشياء على الإطلاق.. حتى الحلة، التي كان يرتديها كانت جديدة، ولم ينتزع منها السعر بعد.. من الواضح أنه قد ابتاعها قبل ذهابه إلى هناك مباشرة، لمقابلة شخص ما
مال أحمد نحوه، متسائلاً في اهتمام: وماذا عن مدير الفندق وموظفيه؟
سأله صفوت في حذر: ماذا عنهم؟
قال في سرعة: ربما كانوا هم من جرده من كل ما يحمله
هز صفوت رأسه نافياً، وقال: كلا.. لقد افترضت هذا أيضاً، ولكن الكل أكد أن ثلاثة من طاقم الأمن ظلوا مع الجثة طوال الوقت، منذ مصرعها، وحتى حضرت أنا
انعقد حاجبا أحمد، وهو يحاول البحث عن منطق الأمور، ثم لم يلبث أن هز رأسه بدوره، وهو يتمتم: عجباً
ثم استطرد في اهتمام: ومادمتم تجهلون شخصية القتيل، فمن الطبيعي أن يستحيل العثور على قاتله، وسط ملايين البشر، إلا إذا
هتف به صفوت: إلا إذا ماذا؟
أجاب في سرعة أيضاً: إلا إذا حصلتم على أوصافه من الشهود
مط صفوت شفتيه، وهو يقول في حنق: لا تذكّرني بهذا بالله عليك، فقد استجوبت الكل، وخرجت بأربعة أوصاف مختلفة، لا توجد أدنى صلة بين أي منها والباقية.. بعضهم وصفه بأنه عريض المنكبين، خشن لا شعر، له شارب ضخم.. والبعض الآخر بأنه طويل نحيل له لحية قصيرة، والبعض الثالث بـ
قاطعه أحمد، قائلاً: ياللسخافة
ابتسم صفوت، مغمغماً: صدقت
ثم التقط نفساً عميقاً، وكأنما يحاول تهدئة أعصابه الثائرة، قبل أن يلوح بذراعه كلها، قائلاً، مع محاولة للابتسام: ولكن لماذا يقلقنا كل هذا، بعد أن نفض الكل أيديهم منه؟
دعنا ننسَ كل شيء مثلهم يا صديقي، ولنعد لممارسة حياتنا الطبيعية، فمهما كان ما حدث، فقد انتهى الأمر تماما، وهذا هو المهم.. أليس كذلك؟
تنهد أحمد متمتماً: أتعشم هذا
نطقها بلسان مازال يحمل نبرة من الشك والقلق والحذر.. نبرة لم ترقَ قط إلى مرحلة إدراك الحقيقة المخيفة
حقيقة أن كل هذا لم يكن نهاية الأحداث
لقد كان البداية..
فقط
*******
آخر أيام الإجازة
التقط أحمد نفساً عميقاً، وهو يوقف سيارته أمام المشرحة، في ذلك الصباح، وظل لخمس دقائق كاملة قابعاً داخل السيارة، يتطلع إلى المكان في رهبة، وكأنما هو زائر عادي، أدرك لأول مرة في
حياته، أن وظيفة المشرحة هي حفظ جثث الموتى
ثم أخيراً انطلقت من أعماق أعماقه زفرة متوترة، وهو يغادر السيارة، مغمغماً: لا بأس.. لابد من مواجهة الأمر، إن عاجلاً أو آجلاً
دلف إلى المكان في توتر، وكأنه طبيب حديث التعيين، واستقبله الزملاء والعاملون بابتسامات كبيرة، وترحاب شديد وأسرع عامل المكان يعد له قدح القهوة المعتاد، قبل حتى أن يستقر على مكتبه، وبدا الكل ودودا مرحباً، على نحو أزال توتره، ومنحه الكثير من الهدوء والاستقرار والثقة، حتى إنه ارتدى معطفة الطبي في حماس، وهو يسأل زميله بابتسامة كبيرة: والآن ماذا لدينا اليوم؟
ضحك زميله، قائلاً: هل تتعجل العمل إلى هذا الحد؟
هزأحمد كتفيه، وابتسم، قائلاً: مادمنا هنا، فالعمل أفضل من الملل
ضحك زميله مرة أخرى، وهو يقول: يبدو أنك مضطر للاكتفاء بالملل اليوم، فلأول مرة منذ فترة طويلة، ليس لدينا حالات للفحص.. الزملاء أنهوا كل العمل أمس
تنهد أحمد، قائلاً: عظيم
ولكن زميله استدرك في سرعة: فيما عدا
قالها، وبتر عبارته، على نحو جعل أحمد ينحني نحوه، متسائلاً: فيما عدا ماذا؟
هز كتفيه، وتردد قبل أن يقول: عينة الدم.. أعتقد أنه لم يعد هناك مبرر للاحتفاظ بها الآن
انعقد حاجبا أحمد، وهو يسأله: أية عينة دم؟
تردد زميله بضع لحظات أخرى، وكأنما يخشى أن يفسد الموقف، فقال أحمد يستحثه، في شيء من العصبية: أية عينة دم تتحدث عنها؟
زفر زميله مستسلماً، وقال: عينة الدم التي حصلت عليها من تلك الجثة، صاحبة المشكلة الـ
اتسعت عينا أحمد عن آخرهما، وهو يتذكر الأمر فجأة
كيف نسي عينة الدم تلك؟
كيف غابت عن ذهنه، وسط كل تلك الأحداث العنيفة؟
بل كيف غابت عن أذهان المحققين، والمسئولين، ورجال الشرطة، والنيابة، والكل؟
وبتوتر أدهش زميله، التفت إليه، قائلاً: أين تلك العينة؟
أجابه زميله في دهشة: في ثلاجة المعمل.. لست أدري لماذا احتفظوا بها كلها؟ عشرة سنتيمترات أو عشرون كانت ستكفي كل الفحوصات الممكنة، وكل الـ
قاطعة أحمد في عصبية: عشرون ماذا؟ ما الذي تقصده بقولك هذا يا رجل.. كم يبلغ حجم العينة التي وصلتكم؟
مط زميله شفتيه، مجيباً في حذر: حوالي الخمسين
سأله في حدة: خمسون ماذا؟
قال في توتر: خمسون سنتيمتراً تقريباً يا أحمد.. ماذا أصابك؟ أمازلت تشعر بالتوتر، كلما تذكرت الـ
قفز أحمد من مقعده، قبل أن يتم زميله عبارته، وانطلق يعدو كالصاروخ، نحو المعمل
عشرون سنتيمتراً.. خمسون سنتيمتراً
رباه ما الذي يحدث بالضبط؟
أي عبث شيطاني هذا؟
كيف تنمو هذه الأشياء على هذا النحو العجيب؟
كيف..
كيف..
أدهش موقفه الكل، فتبعوه إلى المعمل الصغير، وهتف به مديره، عندما اقتحم المكان في عنف: ماذا دهاك يا دكتور أحمد؟ ماذا حدث؟
فتح أحمد ثلاجة المعمل في حركة حادة، ثم اتسعت عيناه عن آخرهما، وهو يحدق في الوعاء الكبير، الممتلئ بما يقرب من نصف لتر من الدم أمامه، على نحو يكاد معه الغطاء المحكم ينفجر،
وتراجع في توتر بالغ، هاتفاً: مستحيل مستحيل



صاح به مديره: ما هو المستحيل؟
أشار إلى الوعاء في عصبية قائلاً: كل هذا الدم كيف أصبح هكذا؟
مال مديره برأسه، يتطلع إلى الدم في دهشة، متسائلاً: أصبح ماذا؟
صاح أحمد في حدة: كيف أصبح بهذا الحجم.. أعني بهذه الكمية؟
بدت حيرة أكثر على وجه المدير، وهو يتساءل: أية كمية؟
صاح أحمد: هذه الكمية كانت عشرين سنتيمتراً فحسب، عندما أرسلتها إلى هنا، فكيف بلغت هذا المقدار، خلال عشرة أيام، كيف؟
حدق المدير في وجهه، كما لو أنه يتطلع إلى مجنون، قبل أن يقول في حدة: ومن قال إن هذه العينة تخصك؟ إنها تخص بعض الأبحاث، التي أجريها أنا، والتي تستهلك كميات كبيرة في المعتاد
اتسعت عينا أحمد، وهو يقول ذاهلاً: تخصك؟
ثم استدار يحدق في الثلاجة شبه الخالية مرة أخرى، قبل أن يهتف: أين العينة الأخرى إذن؟
تنحنح فني المعمل، وقال في حرج متردد: الواقع أن
استدار إليه أحمد بحركة حادة، متسائلاً في شراسة: أن ماذا؟
ارتبك الفني أكثر، وقال في شيء من الذعر: إنها عينة تالفة، وغير مسجلة رسمياً، و
صاح فيه أحمد، بشراسة أكبر: ماذا فعلت بالعينة؟
لوح الرجل بذراعيه في هلع، هاتفاً: أنا لم أفعل شيئاً.. لقد تحطمت القنينة وحدها، والدم كله كان متجلطاً، ولقد اضطررت للتخلص منها في البالوعة
قاطعه أحمد، هاتفاً في ارتياع: متجلطاً؟ البالوعة؟
يا إلهي يا إلهي
تراجع مع هتافه، وترك جسده يهوي على أول مقعد ارتطم به، أمام دهشة وتوتر الجميع، وعلى رأسهم المدير، الذي قال للفني في غضب عصبي: كيف يمكن أن يتجلط الدم هنا؟ المفترض أن تمنعه البرودة من هذا
هتف الرجل مذعوراً: أقسم لك يا سيادة المدير أنني لا أعرف كيف
قاطعه أحمد في صوت خافت، ولهجة حملت كل مرارة الدنيا: أنا أعرف كيف؟
التفت إليه الجميع في دهشة بالغة، فتراجع برأسه في ألم، مستطرداً: ولكنني أجهل لماذا؟ لماذا؟
نعم.. هذا هو السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة، في ظل هذه الظروف
لماذا يحدث كل هذا؟
لماذا؟
اشرأب صفوت بعنقه وهو يحدق في وجه أحمد بذهول، وتدلى فكه الأسفل على نحو عجيب، وهو يهتف: حية؟ دماء حية؟ ماذا تعني بقولك هذا يا رجل؟
هز أحمد رأسه، وقال: أعني ما فهمته بالضبط، وما تحاول إقناع نفسك بعدم فهمه.. عينة الدم، التي أخذتها من الجثة، تنمو.. تماماً كما حدث مع الجثة نفسها
حدق صفوت في وجهه لحظة أخرى، ثم لم يلبث أن تراجع، وأشعل سيجارته في عصبية، قائلاً: رباه ألن ينتهي هذا الكابوس أبداً؟
مال أحمد نحوه بدوره، وهو ويقول: أخشى أنه قد بدأ فحسب يا صديقي
اتسعت عينا صفوت وهو يهتف مذعوراً: بدأ؟
أوما أحمد برأسه، قائلاً: فني المعمل لم يفهم ماحدث، إلا من مستوى تفكيره المحدد فحسب، فالقنينة التي تحوي عينة الدم تحطمت، لأن الدم قد نما وتزايد، وتضاعف حجمه، من السنتيمترات
العشرين، التي حصلت عليها أنا، إلى سنتيمترات خمسين، رآها زميلي، إلى كتلة متجلطة ضخمة، تفوق سعة القنينة، كتلة تخلص منها الفني عبر البالوعة، لتواصل نموها في مكان لا يعلمه إلا الله
سبحانه وتعالى
نفث عصمت دخان سيجارته في عصبية، وهو يغمغم في توتر بالغ: نموها؟
ضرب أحمد سحب الدخان بيده، وهو يهتف في حدة: توقف عن تدخين هذا السم.. إنك تقتل نفسك بهذا، دون أي جدوى
مط عصمت شفتيه في حنق، وهتف: دعك من التدخين ومضاره، وأخبرني بالله عليك: ما الذي تعنيه بمواصلة النمو هذه؟
هز أحمد كتفيه، وقلب كفيه، قائلاً: أعني ما تخشى فهمه يا صديقي.. تلك الكتلة المتجلطة أشبه بجنين في طور النمو.. جنين لا يحتاج إلى رحم، لأنه يلتقط عوامل نموه من كل ما حوله، حتى يصبح كائناً كاملاً، مثل
ازداد لعابه في صعوبة، قبل أن يتابع في عصبية: مثل ذلك الذي قتلته هناك.. في حجرة الفحص بالمستشفى
انتفض جسد صفوت في عنف، وسقطت سيجارته من بين شفتيه، وعيناه تبلغان اتساعهما، وهو يحدق في وجه أحمد كالمصعوق، لدقيقة أو يزيد، قبل أن يقول بصوت مرتجف: مستحيل.. مستحيل أن يحدث هذا مرة أخرى
ثم لوح بذراعه، وهو يميل لاستعادة سيجارته بيده الأخرى، مستطرداً: ثم من أدراك أن ذلك الدم سينمو بالفعل، أو سيمكنه أن يواصل النمو، في بيئة كهذه؟ أليس من المحتمل أن يقتله التلوث في أنابيب المجاري؟
مط أحمد شفتيه، مغمغماً: هذا محتمل
هتف صفوت، وكأنما وجد مخرجاً: ألم أقل لك؟
أجاب أحمد في حزم: ومن المحتمل أن يتواصل النمو، على الرغم من كل العوامل
انعقد حاجبا صفوت، وهو يقول في عصبية: ليس لدينا دليل واحد على هذا
زفر أحمد في توتر، وقال: من يدري؟ ربما أتانا الدليل على نحو احتماله
لم يعلق صفوت على العبارة، وهو يميل ليستند إلى مقعده، وينفث دخان السيجارة في عصبية، وعقله يتساءل بكل قلق الدنيا: هل يمكن أن ينمو ذلك للدم بالفعل؟
هل؟
وبقي السؤال يمزق خلايا مخّه بلا جواب
وبلا رحمة..

يـ تـ بـ ـع ..
رد مع اقتباس
 

 

قديم 13-07-2007, 07:47 AM رقم المشاركة : 5 (permalink)
معلومات العضو
Sash_Necoly
صديق المنتدي


افتراضي رد: لــون الــدم

لــون الــدم

الحلقـة الثالثـة


انطلقت دقات الساعة، تعلن تماما منتصف الليل في القاهرة
وشد حارس الأمن، في ذلك المبنى الأنيق، في حي الزمالك، قامته، والتقط نفساً عميقاً من هواء الليل الرطب، قبل أن يلتقط مجلة فنية حديثة، مغمغماً: ليلة جديدة من الملل والإرهاق
وتنهد في أسى، وهو يطالع المجلة، متابعاً: لن يمكنني الاستمرار طويلاً في هذه المهنة.. إنني لم أحصل على شهادتي الجامعية، لأعمل كحارس أمن
واصل مطالعة المجلة في اهتمام، وهو يرفع ساقيه على سطح المكتب، و
وفجأة لمح ذلك الشيء..
كتلة حمراء دامية، في حجم جنين صغير، تستقر في نهاية مدخل البناية، بالقرب من فتحات الصرف
ولوهلة، خيل إليه أنها جنين غير مكتمل النمو بالفعل، إلا أنه لم يكد يعتدل في مجلسه، ويلقي نظرة أخرى عليها، حتى أدرك أنها مجرد كتلة حمراء قانية غير منتظمة
وبدهشة وقلق، اتجه الحارس نحو تلك الكتلة، وهو يتحسس مسدسه في توتر، وانحنى يتطلع إلى الكتلة القانية في حيرة
كانت أشبة بقطعة كبيرة من الجيلي، حمراء قانية
كتلة حمراء دامية، في حجم جنين صغير، تستقر في نهاية مدخل البناية
وتنبض..
نعم.. تنبض في بطء وقوة، كما لو أنها تحوي في أعماقها قلباً حياً
واستحالت دهشة الحارس إلى ذهول تام، وهو يتمتم: ما هذا بالضبط، وكيف وصل إلى هنا؟
كان ذلك الشيء ينبض على نحو عجيب، جذب انتباه الحارس في شدة، فاقترب أكثر وأكثر، و
وثبة قوية مباغتة، جعلته يلتصق بوجه الحارس، الذي تراجع في عنف كالمصعوق، واختنقت صرخته، خلف تلك الكتلة الدموية، الملتصقة بوجهه، وراح يضرب بذراعيه في عنف، وأمسك ذلك الشيء، يحاول انتزاعه عن وجهه
ولكن أصابعه غاصت في كتلة الدم



كتلة تفجرت على نحو رهيب، وغمرت جسده كله بالدم.. وبكل الرعب، راح الحارس يتراجع، ويتراجع، وذراعاه تقاتلان في استماتة، ورعب، وهلع
ولكن أنفاسه اختنقت في صدره
واختنقت..
واختنقت..
ثم لم تلبث مقاومته كلها أن انهارت
وسقط جسده..
سقط جثة هامدة
وفي بطء، راحت بقع الدم تنفصل عن جسده، وتزحف فوقه في نعومة مدهشة لتلتصق مرة أخرى بذلك الكيان الذي ظل مستقراً على وجه الحارس طويلاً
طويلاً جداً
*******
هب أحمد من فراشه مذعوراً، مع رنين جرس باب منزله المتصل، فاندفع نحوه في عصبية، هاتفاً: حسن.. حسن.. أنا قادم
ولم يكد يفتح الباب، حتى هتف في دهشة عارمة: صفوت.. ما الذي
قاطعه صفوت في صرامة، قبل أن يتم عبارته: ارتدِ ملابسك، وتعال معي فوراً
حدق أحمد في وجهه، متسائلاً بكل القلق: ماذا هناك؟
تجاوز صفوت إلى الداخل، مجيباً: جريمة قتل أريد منك أن تعاينها بنفسك
قال أحمد، في دهشة حذرة: جريمة قتل؟ ومنذ متى ينتقل الطبيب الشرعي إلى مسرح الجريمة مباشرة؟
أجابه صفوت في صرامة عصبية: هذه الجريمة استثناء من القاعدة
اتسعت عينا أحمد في ارتياع، وقد أدرك ما يرمي إليه صفوت، وغمغم: انتظرني دقيقة واحدة
لم يتبادل أحدهما كلمة واحدة مع الآخر، طوال الطريق إلى الزمالك، وما أن بلغا البناية، التي وقع عندها الحادث، حتى اتجه صفوت نحو الجثة المغطاة.. وكشف الغطاء عنها وهو يقول في توتر: لقد عثر عليه حارس البناية المجاورة بالمصادفة البحتة: انتفض جسد أحمد في عنف، وهو يحدق في جثة الحارس، بذهول يمتزج بالرعب والهلع
لقد كانت الجثة ملقاة على ظهرها، وقد اتسعت عيناها، في رعب هائل، وتجعد جلدها كله، مكتسباً لوناً شديد الزرقة
لون جسد خلا تماماً من الدم حتى آخر نقطة
ودون كلمة واحدة، انحنى أحمد يفحص الجثة بدقة أكبر، في حين اكتفى صفوت بالتطلع إليه، وهو ينفث دخان سيجارته في عصبية
وكان الأمر كله رهيباً بحق
لقد امتص شيء ما كل قطرة دم في جسد الحارس.. على نحو لا مثيل له
ثم إن ذلك الشيء قد زحف نحو مدخل البناية
زحف لمتر أو يزيد، ثم نهض
نعم.. نهض واقفاً على قدمين صغيرتين، في حجم قدمي طفل، خطا بهما عشر خطوات تقريباً، قبل أن يختفي كل أثر له دفعة واحدة
*******
وفي عصبية زائدة، ومع نهوض أحمد، غمغم صفوت: إنه هو.. أليس كذلك؟
أومأ أحمد برأسه إيجاباً، دون أن ينبس ببنت شفة، فهتف صفوت في حنق، وهو ينفث دخان سيجارته: كنت أعلم هذا
تطلع أحمد إلى الجثة مرة أخرى، قبل أن يقول في حزم: أريد فحص هذه الجثة.. الآن
أشار صفوت إلى الرجال، فأسرعوا يحملون الجثة، وهو يقول في صرامة: مشرحة زينهم.. فوراً
شملهما الصمت مرة أخرى لبعض الوقت، وهما ينطلقان نحو المشرحة، قبل أن يهتف صفوت في غضب: ما الذي يسعى إليه ذلك الشيء بالضبط؟
أجابه أحمد في توتر: النمو
هتف صفوت: وما هو بالضبط؟ من أين جاء؟
صمت أحمد بضع لحظات في تردد، قبل أن يسأل صفوت في حذر: قل لي يا رجل.. هل تؤمن بوجود كائنات في عوالم أخرى؟
حدق صفوت فيه لحظة بذهول، قبل أن يهتف محنقاً: هل تعتقد أن الوقت يناسب هذه الخزعبلات؟
أجابه أحمد في حزم: وجود كائنات في كواكب أخرى ليس خزعبلات... إنه فرضية علمية جادة للغاية، وفرضية منطقية أيضاً
صاح صفوت في حدة: وهل هذا وقت مناقشة الفرضيات؟
أجابه بحزم أكثر: هذا هو الوقت المناسب تماماً
صاح صفوت: بدلالة ماذا؟
هتف أحمد في توتر: ألم تنتبه بعد إلى ما يحدث يارجل؟ ألم تدرك قط أننا نواجه شيئاً لا ينتمى إلى عالمنا، بأي حال من الأحوال؟ ألم تحاول أبداً ربط الأحداث ببعضها، وفهم ما يمكن أن تعنيه؟
قاتل غامض مجهول، يعجز الكل عن وصفه بدقة، يستخدم سلاحاً رهيباً، قادراً على نسف رأس بشري بالكامل، دون أن يصدر صوتاً، ودون أن تكشفه بوابات الأمن الإلكترونية، وقتيل يفقد رأسه كله، ثم ينمو ذلك الرأس مرة أخرى، ويعود القتيل إلى الحياة، وينتزع قلب رجل حي، ثم يتلقى تسع رصاصات دون أن يموت، ثم عينة دم تتضخم، ويتضاعف حجمها وحده، حتى تحطم قنينتها،، ورجل يتم قتله ببشاعة، وامتصاص كل نقطة دم في جسده.. ألم تقتنع بعد أن كل هذا لا ينتمى إلى عالمنا؟
حدق صفوت فيه بذهول، وتطلع عبر زجاج السيارة إلى سيارة الإسعاف، التي تنطق أمام سيارة أحمد، وارتجفت شفتاه بضع لحظات، قبل أن يتمتم في خفوت شديد: من عالم آخر؟
احترقت السيجارة بين أصابعه، دون أن يدري، حتى شعر بلهيبها، فألقاها بعنف عبر النافذة، هاتفاً: مستحيل
ثم التفت إلى أحمد، متابعاً في عصبية: طوال حياتي لم أصدق هذه الخرافات أبداً، ولن أصدقها الآن، لمجرد أن أمامنا لغزاً لم نتوصل إلى حله بعد.. التبرير الذي تبحث عنه أسخف من الموقف نفسه.. اعترف بعجزك عن الفهم، بدلاً من أن تؤلف قصة سخيفة عن الفضاء وسكانه المزعومين
هتف أحمد في حدة: ألديك تفسير آخر أيها العبقري؟
صاح صفوت: وهل هناك تفسير أول؟ هل تحاول إقناعي بأن القاتل والقتيل مخلوقان من كوكب آخر، قطعا ملايين الكيلو مترات، من المريخ إلى هنا، ليقتل أحدهما الآخر
قال أحمد في عصبية: ومن تحدث عن المريخ؟
هتف صفوت في سخرية عصبية: إنهما ليسا من القمر بالتأكيد
انعقد حاجباً أحمد في غضب وقال: فليكن.. من الواضح أنك تمتلك عقلية غير علمية على الإطلاق
قال صفوت في حدة: سأترك لك هذا الامتياز، أيها العلمي العبقري
مط أحمد شفتيه، مغمغماً: ياللسخافة
فأشاح صفوت بوجهه، هاتفاً: ياللحماقة
لم يتبادلا كلمة أخرى، وكلاهما يكتم غيظه في أعماقه، حتى بلغا مشرحة زينهم، فأسرع أحمد يرتدي معطفه وقفازيه، واندفع لفحص الجثة، التي تم نقلها إلى قاعة التشريح، في حين وقف صفوت في الخارج، ينفث دخان سيجارته في عصبية، وهو يكرر كل بضع دقائق: مخلوقات من الفضاء.. ياللسخافة
مضت أكثر من ساعة كاملة، بدت له أشبه بالدهر، نفث خلالها دخان علبة سجائر كاملة قبل أن يخرج أحمد من حجرة الكشف ممتقع الوجه، على نحو مخيف، جعل صفوت يحدق فيه بضع لحظات في ذهول، قبل أن يهتف بنفاد صبر: ماذا هناك بالله عليك؟
هز أحمد رأسه، بكل شحوب الدنيا، وهو يتمتم بصوت مرتجف: لن يمكنك أن تصدق.. لن يمكنك أبداً
واتسعت عينا صفوت عن آخرهما
فالأمر كان بالفعل مذهلاً
مذهلاً للغاية..
*******
الثالثة بعد منتصف الليل
ساد الهدوء تماماً تلك المنطقة، في وسط مدينة القاهرة، عند ميدان أحمد عرابي، حتى إن صوت عبور سيارة شرطة النجدة، دون أن تطلق أبواقها التقليدية، بدا مزعجاً للغاية، خلال الدقيقة التي
استغرقتها، قبل أن تنطلق إلى شارع قصر النيل، ويتلاشى صوتها رويداً رويداً
ثم يعود الهدوء التام، ليشمل كل شيء
ومن أحد الأركان المظلمة، وبنعومة عجيبة، تحرك جسم غريب، ليعبر الطريق، بسرعة كبيرة نسبياً
كان أشبة بطفل صغير، يسير على ساقين قصيرتين للغاية، إلا أن نصفه العلوي كله كان عبارة عن كتلة هلامية، حمراء قانية، غير ذات معالم
الواقع أنه لم يكن يسير على هاتين الساقين
بل كان ينزلق كقطرة ماء على سطح أملس، على نحو لا يمكن أن يقوم به كائن حي على سطح الأرض، باستثناء أنواع نادرة من الثعابين الزاحفة، ضئيلة الحجم



وبخفة مدهشة، مال ذلك الجسم، ليختفي وسط بقعة مظلمة أخرى، ملاصقة لجدار بناية قديمة
ثم توقف تماماً، وتجمد في مكانه، حتى صار من المستحيل تمييزه عما يحيط به
واعتدل ذلك الجسم الغريب فجأة.. ومال في بطء، وكأنما يتابع حركة ذلك السكير
ثم انزلق فجأة يتبعه
كان يتحرك بسرعة كبيرة، ويقطع الطريق، تحت الأضواء مباشرة، في جرأة عجيبة، كما لو أن بلوغ الهدف هو هدف في حد ذاته
أو أنه حياة بأكملها
ولسبب ما توقف السكير بغتة، ثم استدار بحركة حادة، ينظر إلى ما خلفه
وفي نفس اللحظة، وثب ذلك الجسم والتصق بوجه الرجل وصدره، دفعه أمامه في عنف، ليسقط على ظهره بدويٍ شديد، في وسط الشارع
وعلى الرغم من غياب عقله، راح الرجل يقاوم ويدافع عن حياته بعنف واستماتة، وراح يغرس أصابعه في ذلك الجسم مرات.. ومرات.. ومرات
ولكن أصابعه غاصت في كيان لين هذه المرة، ثم ارتدت في عنف، دون أن تترك في الأثر القاني أدنى أثر
وراحت أنفاس الرجل تختنق
وتختنق
وتختنق
وأخيراً، تلاشت مقاومته
وانهار ذراعاه إلى جواره
ثم تراخى جسده كله
وفي هدوء، استقر ذلك الجسم الدموي فوقه، وراح يمتص الدم من جسده، في شراهة عجيبة
شراهة مدهشة، جعلته ينتزع نصف لتر دم في كل دقيقة
وخلال اثنتي عشرة دقيقة فحسب، كان قد استولى على كل قطرة دم، في جسد السكير.. كل قطرة
ثم انتقل لامتصاص الـ
ولكن أصابعه غاصت في كيان لين هذه المرة، ثم ارتدت في عنف، دون أن تترك في الأثر القاني أدنى أثر
رباه ما هذا بالضبط؟ -
أطلق سائق سيارة دورية الشرطة العبارة، في ذعر ذاهل، وهو يطلق ضوء مصباحيّ سيارته، ليغمر الكائن الدموي وضحيته بغتة
وتوقف الكائن دفعة واحدة
ثم نهض بحركة حادة، ليواجه سيارة دورية الشرطة
واتسعت عيون ضابط الدورية وجنوده في ذهول ورعب، أمام ذلك المشهد الرهيب
لقد بدا أمامهم كيانا شبه بشري، بلا ملامح أو تفاصيل واحدة
فقط كتلة كبيرة من الدم، في حجم شاب بالغ، تواجههم في تحد عجيب
وبحركة آلية، ودون أن يدري، ضغط السائق دواسة الوقود، وقفزت سيارة دورية الشرطة إلى الأمام، واندفعت نحو الكيان الدموي، الذي انطلقت منه صرخة رهيبة
صرخة قادمة من أعمق أعماق قبور الدنيا كلها
ثم ارتطمت به السيارة بمنتهى العنف
ومع ارتطامها، تمزق جسدها الدموي إرباً
تمزق متحولاً إلى عدة بقع دموية، تناثرت في كل مكان في الشارع، وضابط الدورية يهتف بالسائق: ماذا فعلت أيها الأحمق؟
ومع هتافه، ارتطمت بقعة دموية ضخمة بزجاج سيارة الشرطة الأمامي، في مشهد بشع للغاية، جعل الجميع يحدقون فيها بذعر حقيقي
ولكن ذلك الذعر تحول إلى رعب كامل، عندما انزلقت كتلة الدم فجأة، ثم وثبت السيارة، واندفعت نحو الكتل الأخرى، التي اتجهت نحو بعضها، من كل مكان، حتى التفت على مسافة متر واحد من جثة السكير
ثم التحمت ببعضها دفعة واحدة
ونهضت واقفة..
نهضت بنفس حجمها السابق، وتكوينها شبه البشري.. تكوين أشبه بجسد شاب بالغ، بلا ملامح أو تفاصيل.. وتجمد رجال الشرطة في مكانهم، وانطلقت ثلاث أو أربع صرخات، من البنايات المطلة على الشارع، ثم أضيئت النوافذ والشرفات، و
وتراجع الكيان الدموي شبه البشري لحظة
ثم انزلق بنفس النعومة، وبسرعة مذهلة، نحو إحدى البنايات الضخمة، ذات الطراز التقليدي القديم، هتف ضابط الشرطة، وهو يستل مسدسه: امنعوه.. لا تسمحوا له بالفرار
أطلق هتافه، ووثب بمسدسه خارج السيارة، وانطلق يعدو نحو البناية، وتبعه جنوده بأقدام خائفة مترددة، حتى بلغوا المكان، وأضاءوا أنواره وراحوا يفتشون كل ركن فيه
ولكن المكان كان خالياً تماماً
ولم يكن هناك أثر لذلك الكائن
أدنى أثر..
*******
ماذا تقول؟ -
هتف الرائد صفوت بذهول، وهو يحدق في وجه أحمد، الذي زفر في توتر بالغ، قائلاً: تماماً كما أخبرتك يا صفوت.. ذلك الشيء لم يمتص الدم وحده من جسد ضحيته، وإنما امتص بوسيلة ما، كل نخاع العظام أيضاً.. باختصار.. إنه يسعى خلف كل ما له صلة بالدم وتكوينه
سقط فك صفوت الأسفل بذهول أكثر، وهو يهتف: مستحيل مستحيل ما الذي يمكن أن يفعل بشري كهذا؟
انعقد حاجبا أحمد وهو يقول في عصبية: ليس شيئاً من عالمنا
احتقن وجه صفوت، وهو يصيح: لا تحاول مرة أخرى إقناعي بخرفاتك هذه
صاح فيه أحمد: أمازلت عنيداً مكابراً؟
صرخ صفوت: قلت مستحيل
لم يكد يطلق صرخته، حتى ارتفع أزيز جهاز اللاسلكي الذي يحمله، فرفعه إلى أذنه بسرعة، وهو يهتف: من هناك؟
انعقد حاجباه بمنتهى الشدة، وهو يستمع إلى محدثه، واحتقن وجهه مرة أخرى، وبدا عليه توتر بالغ، وهو يقول في عصبية: سأحضر على الفور
ثم أنهى الاتصال، ورفع عينيه إلى أحمد، قائلاً بصوت شاحب: لقد فعلها مرة أخرى
اتسعت عينا أحمد، وهو يتراجع بحركة حادة، واختنقت الكلمات في حلقه لبضع لحظات، قبل أن يخلع معطفه، قائلاً: هيا بنا
وبعد لحظات، كان كلاهما ينطلق نحو الحادث الثاني، دون أن يتبادلا كلمة واحدة، وقد أدركا أنهما يواجهان كارثة.. كارثة لها مفهوم آخر
وعالم آخر..
*******
لقد حدث ما كنا نخشاه -
نطق رجل طويل، قوي، حاد الملامح، العبارة في صوت حمل طناً من التوتر، فزفر آخر عريض المنكبين، وغمغم، وهو يعقد كفيه خلف ظهره، ويتطلع عبر نافذة كبيرة: لقد علمت
قال الطويل بنفس التوتر: أخشى أن الأمر قد أفلت من أيدينا
قال عريض المنكبين في مرارة: أمر طبيعي
ثم استدار إلى الطويل، مستطرداً: إننا نواجه أمراً نجهل كل شيء عنه تقريباً
هز الطويل رأسه، وجلس على أول مقعد صادفه، وهو يقول: لقد تدربنا على مواجهة أقوى النوائب، ولكن هذا الشيء لم يكن في الحسبان قط، حتى في أبشع كوابيسنا
تمتم عريض المنكبين: إنه أبشع كوابيسنا بالفعل
ثم لوح بكفه، مستطراً في حنق: إننا لا نعلم حتى كيف يمكن أن نواجهه
سأله الطويل في حذر: وماذا عن الأمريكيين؟
سأله عريض المنكبين: ماذا عنهم؟
هز الطويل كتفيه، قائلاً: أعتقد أن لديهم خبرة في هذا المضمار
ابتسم عريض المنكبين ابتسامة مريرة، وهو يقول: في أفلامهم فحسب، وليس في عالم الواقع
زفر الطويل في توتر، وعاد يهز رأسه، قائلاً: هذه المرة حدث الأمر في شارع عام، وفي وجود عشرات الشهود
قال عريض المنكبين في حدة: وماذا عن المرة السابقة، هل كان حادث الفندق سريّا؟
أجابه الطويل في سرعة: كلا ولكن من الممكن تفسيره باعتباره جريمة قتل عادية
عاد عريض المنكبين يبتسم ابتسامته المريرة، قائلاً: هل تعتقد هذا؟
مط الطويل شفتيه، وقلب كفيه، وهو يقول في عصبية: ماذا سنفعل إذن؟ هل سنقف مكتوفي الأيدي، ونترك هذا يحدث في الطرقات؟
تطلع إليه عريض المنكبين بضع لحظات في صمت، ثم عاد يلتفت إلى النافذة، وهو يجيب في توتر ملحوظ: ليس لدينا ما نفعله يا رجل، سوى المتابعة، ومواصلة البحث، أو استنتاج الخطوة التالية، فالأمر يفوق إدراكنا وقدراتنا ألف مرة، ونحن مضطرون للانتظار



وزفر زفرة ملتهبة، بدت وكأنها نابعة من أعمق أعماق توتره، وهو يضيف: فقط الانتظار
ثم رفع عينيه يتطلع إلى السماء بنجومها المتألقة
السماء التي ينتظر منها الحل
الحل الوحيد..
*******
سرت ارتجافه باردة في جسد الدكتور أحمد، وهو يفحص جثة السكير، التي خلت من أية نقطة دم كسابقتها وتنهد في توتر بالغ، وهو يتطلع إلى نظرة الرعب الهائلة في العينين المتسعتين عن
آخرهما، قبل أن ينهض مغمغماً: رباه متى ينتهي هذا الكابوس؟
لم يسمع صفوت عبارته، وهو يلقي عشرات الأسئلة على طاقم دورية الشرطة، وبعض سكان الشارع، الذين التفوا حوله هلعين مذعورين، يلقون بدورهم سيلاً من الأسئلة، حول ذلك الأمر الخارق، الذي شاهدوه بأعينهم
وبخطوات ثقيلة، انتزع أحمد نفسه من مكانه، واتجه نحو صفوت، الذي سأله في توتر: نفس العلامات؟
أومأ أحمد برأسه إيجاباً، فانعقد حاجبا صفوت بشدة، وهو يتمتم: رباه
هتف ضابط دورية الشرطة في عصبية: إننا لم نشاهد شيئاً كهذا من قبل، إلا في أفلام الرعب الأمريكية التي تطير النوم من أعيننا، أما في عالم الواقع
قاطعه صفوت في صرامة عصبية: صف ما رأيته للطبيب الشرعي
خيل إليه أن هذا هو السؤال، الذي كان الجميع في انتظاره منذ البداية، فقد اندفعوا يتحدثون كلهم، في آن واحد تقريباً، وكل منهم يصف ما رآه في حماس وذعر، امتزجا ليصنعا لهجة عجيبة للغاية.. ولكن الأكثر عجباً أن الجميع قد اتفقوا على أوصاف واحدة.. كيان شبه بشري في حجم شاب بالغ، مكون بالكامل من مادة حمراء قانية رهيبة، بشعة
وبينما هم يلقون أوصافهم، اندفعت إلى المكان سيارة كبيرة تحمل شعار صحيفة يومية شهيرة، فهتف صفوت في سخط: هذا ما كان ينقصنا
اندفع الصحفيون من السيارة نحو الجمع المحتشد، فتراجع أحمد بحركة متوترة، وحاول عبثاً ترتيب أفكاره، ليجد ما يجيب به رجال الصحافة،و
ولكن فجأة، ظهر ذلك الضخم
رجل ضخم الجثة صارم الملامح، اعترض طريق رجال الصحافة فجأة، وأشار بذراعيه في حزم صارم وهو يقول بصوت خشن جاف: لا أحاديث صحفية أو صور.. النائب العام أصدر أمراً بحظر النشر في هذا الحادث، حتى انتهاء التحقيقات
انطلقت هتافات السخط والاعتراض من الصحفيين، إلا أنه تجاهل كل هذا، وهو يلتفت إلى السكان، قائلاً بلهجة آمرة: هيا... عودوا إلى منازلكم.. إنكم تفسدون الأدلة بتواجدكم هنا
كان أسلوبه ولهجته يكفيان، ليندفع الجميع عائدين إلى منازلهم، في حين التفت هو إلى طاقم دورية الشرطة، قائلاً بنفس اللهجة: ستحضر دورية أخرى احتياطية لتحل محلكم، أما أنتم فتوجهوا فوراً إلى مديرية أمن القاهرة، للإدلاء بأقوالكم فيما حدث
قاطعه صفوت في عصبية: مهلاً أيها السيد.. أن تلقي أوامرك هنا وهناك، دون أن تفصح عن هويتك.. من تكون بالضبط؟
التفت إليه الرجل في هدوء، وتطلع إليه بنظرة فاحصة حادة، قبل أن يقول: الرائد صفوت شاهين.. أليس كذلك؟
قال صفوت بعصبية أكثر: إذن فأنت تعرف من أنا عظيم.. والآن من أنت؟
تجاهل الرجل سؤاله، وهو يلتفت مرة أخرى إلى طاقم الدورية، قائلاً بصرامة غاضبة عنيفة: ماذا تنتظرون؟
أسرع الجنود إلى سيارتهم، وأدى ضابطهم التحية العسكرية في قوة، وهو يهتف: أمرك سيدي
ثم لحق برجاله، وانطلقت بهم السيارة فوراً، في نفس اللحظة التي ظهرت فيها سيارة الدورية الاحتياطية عند الناصية، فهتف صفوت في عصبية: إنك لم تجب سؤالي بعد
تطلع إليه الرجل في برود صارم، جعله يهتف في حدة: من أنت بالضبط؟
مع آخر حروف كلماته،، سطع ضوء مصباح تصوير بغتة، فاستدار الضخم إلى مصدره بحركة حادة، ثم لوح بذراعه في الهزاء، فبرز أربعة رجال بغتة، وكأنما نشأوا من العدم واندفعوا نحو المصدر، الذى تراجع في ذعر، هاتفاً: من حق الناس أن تعرف الحقائق
انتزع الرجال الأربعة آلة التصوير منه في صرامة، ثم فتحوا غطاءها الخلفي، وانتزعوا منها الفيلم، فهتف صفوت: بأي حق تفعلون هذا؟
أجابه الضخم في برود: وبأي حق تلقي أنت هذا السؤال؟
أخرج صفوت هويته الرسمية من جيبه، قائلاً: أنا ضابط مباحث، و
قاطعه الضخم في صرامة: لقد تم إعفاؤك من التحقيقات، في هذه القضية
اتسعت عينا أحمد في دهشة، في حين صاح صفوت بكل الغضب: بأمر من؟
تطلع الرجل إلى عينيه مباشرة، وهو يجيب في تحد: بأمر السيد رئيس الجمهورية شخصياً
اتسعت عينا صفوت بدوره، وهو يردد ذاهلاً: رئيس الجمهورية؟
استغرق ذهوله لحظة، عاد بعدها يقول في حدة: وأين أمر رئيس الجمهورية هذا؟
أخرج الرجل من جيبه ورقة مطوية، وفردها أمام وجه صفوت، قائلاً: ها هو ذا
حدق صفوت في الورقة، وفي الشعار الرسمي الذي يعلوها، وفي التوقيع أسفلها، قبل أن يغمغم: يا إلهي.. يا إلهي
طوى الرجل الورقة مرة أخرى، ودسها في جيبه، ثم أشار بيده، فبرزت سيارة سوداء كبيرة من سيارات نقل الموتى، عند الناصية، واتجهت نحو جثة السكير، وأسرع الرجال الأربعة ينقلونها إلى
السيارة، في حين التفت الضخم إلى أحمد وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يقول: معذرة يا دكتور أحمد.. سنتولى نحن الاهتمام بالجثة هذه المرة
حدق أحمد فيه بدهشة، لم تزل منها ذرة واحدة، حتى انطلق الرجل مع رجاله الأربعة، في سيارة سوداء أخرى، تبعتها سيارة نقل الموتى، التي تحمل الجثة، فهتف: رباه إنه يعرفني أيضاً
غمغم صفوت في عصبية: لقد كنت على حق
قال أحمد في دهشة: بشأن مخلوقات الكواكب الأخرى؟
هز صفوت رأسه نفياً في قوة، قائلاً في إصرار: كلا
ثم تابع السيارتين بدوره، مضيفاً في عصبية: بشأن أنهم يعلمون
قالها وأطبق شفتيه مع أحمد في صمت تام
صمت يحمل الكثير من التوتر
والقلق
والخوف
*******
صمت طويل ثقيل، خيم على ذلك المقهى الصغير، في حي الحسين، حيث جلس أحمد وصفوت في الخامسة والنصف صباحاً، بعد أن أديا صلاة الفجر في المسجد
كان كل منهما غارقاً في لجة من الأفكار، لا تختلف كثيراً عما يغرق فيه رفيقه
أحمد كان يتساءل: أي نوع من المخلوقات هذا، الذي ينمو بالدم وحده؟.. الوصف الذي أدلى به الكل، يعني أن عينة الدم، التي لم تتجاوز السنتيمترات العشرين، منذ عشرة أيام فحسب، قد صارت في حجم شاب يافع.. وأنها مازالت في لون الدم
من الواضح أن حجمها يتزايد، كلما التهمت المزيد منه وأنها تواصل البحث عن المزيد
والمزيد..
والمزيد..
والله سبحانه وتعالى وحده يعلم، متى وكيف يمكن أن ينتهي الأمر
كل ما يحدث هو أن ذلك الكائن يسعى للنمو
النمو بلا حدود
وأنه يمتلك قدرة عجيبة، تشبه قدرة حيوان الهيدرا المائي، الذي يمكن أن تنمو كل خلية متقطعة منه، لتصنع كائناً جديداً منفصلاً
وهذا قد يعني أنه سينمو إلى النهاية
نهاية الكون
ونهايتنا
ولكن ما من مخلوق خالد أبد الدهر
كل المخلوقات تموت
الخالق وحده هو الحي الذي لا يموت
ولقد قتل صفوت ذلك المخلوق ذات مرة
وكان من الممكن أن ينتهي الأمر عند هذه النقطة
لولا عينة الدم
مرور صفوت بذاكرته، جعله يرفع عينه، متطلعاً إليه، ومتسائلاً: ترى ما يفكر في صمته هذا؟
ووسط سحب الدخان، كانت أفكار صفوت تنطلق بعيداً
إنهم يعلمون..
المسئولون يعلمون..
الورقة التي فردها ذلك الضخم أمامه، لم تكن تحوي أمراً من رئيس الجمهورية بالفعل
بل كانت تحمل تفويضاً للضخم، من مدير أكبر وأقوى جهاز أمن في البلاد
المخابرات العامة..
وهذا يثير دهشته..
وحيرته..
وخوفه..
ما شأن المخابرات العامة بشأن كهذا؟
ما شأن جهاز، مهمته حماية أمن وسلامة البلاد، بمجموعة من حوادث القتل الداخلية، مهما بلغ عنفها وغموضها؟
ما الذي يمكن أن يعنيه هذا؟
بل وما الذي يمكن أن يعنيه كل شيء؟
أمر النائب العام بمنع النشر
اعفوه من مواصلة التحقيقات
اقتحام المخابرات العامة للأمر
ما الذي يمكن أن يعنيه هذا؟
انطلق أزيز جهاز اللاسلكي، في تلك اللحظة، فانتفض صفوت في مجلسه والتقطه في حدة، قائلاً: ماذا يريدون الآن؟
ضغط زر الاتصال وهو يقول: الرائد صفوت شاهين
انعقد حاجباه في شدة، وهو يستمع إلى محدثه، قبل أن يقول في عصبية: فليكن.. سأحضر على أية حال
أنهى الاتصال، في توتر بالغ، فسأله أحمد في لهفة قلقلة: ضربة جديدة؟
أجابه بإيماءة رأس، قائلاً في عصبية: لن يمكنك أن تصدق من ضحيته الجديدة
جف حلق أحمد، وهو يسأله: من؟
مال صفوت نحوه، مجيباً: مدير الفندق
واتسعت عينا أحمد عن آخرهما، وهو يرتد كالمصعوق
لقد كانت بالفعل مفاجأة
مفاجأة مذهلة
*******
يـ تـ بـ ـع ..
رد مع اقتباس
 

 

قديم 13-07-2007, 07:49 AM رقم المشاركة : 6 (permalink)
معلومات العضو
Sash_Necoly
صديق المنتدي


افتراضي رد: لــون الــدم

لــون الــدم

الحلقة الرابعة والأخيرة


ارتفع هدير مراوح الهليكوبتر العسكرية، التي تقل رئيس الجمهورية، في السادسة والنصف صباحاً، وهي تحلق في سماء مدينة الأقصر قبل أن تنحرف غرباً، وتنطلق في اتجاه الواحات الخارجة، لخمسين كيلو متراً، ثم تميل جنوباً، لتبلغ تلك المنطقة، التي أحيطت بدائرة واسعة من الأسلاك الشائكة، التي أقيمت على عجل، لتعزلها عن كل ما حولها، وحوصرت بعدة فرق قوات الجيش، بكامل عدتها وعتادها، على نحو يوحي بمدى أهمية المنطقة وخطورتها
وفور هبوط الهليكوبتر اندفع نحوها ضابط كبير برتبة لواء أركان حرب، وأدى التحية العسكرية للرئيس في ثورة، فسأله الرئيس في اهتمام بالغ: أمازال ذلك الشيء هنا؟
أجابه الرجل في حزم، وهو يشير بيده: إنه لن يذهب بعيداً يا سيادة الرئيس
مط الرئيس شفتيه مغمغماً: من يدري
كان الجميع يتحركون بسرعة كبيرة، في تلك الساعة المبكرة من الصباح، وهم يتجهون إلى قلب دائرة الحصار، حتى توقفوا أمام حفرة كبيرة، أشار إليها اللواء، وهو يقول في حزم: ها هو ذا



تطلع الرئيس في دهشة إلى المركبة الكبيرة، ذات التكوين العجيب، والتي بدت محطمة تماماً تقريباً، في قلب الحفرة، قبل أن يتمتم: سبحان الله العلي القدير.. يخلق ما لا نعلم
أشار اللواء بيده، قائلاً: هل ترغب في إلقاء نظرة قريبة يا سيادة الرئيس؟
أجابه الرئيس، وهو يهبط الحفرة بالفعل: بالتأكيد
كانت المركبة كبيرة إلى حد ما، في حجم طائرة إيرباص ضخمة، مصنوعة من مادة لامعة، لا تبدو مألوفة، وبداخلها أجهزة وأدوات متطورة للغاية، لا مثيل لها على كوكب الأرض
أما الجزء الخلفي بأكمله، فقد كان يحوي عشرات الأوعية البلورية الكبيرة التي تحوي كلها مخلوقات عجيبة، لقيت مصرعها من جراء سقوط المركبة، وتحطمها في الصحراء الغربية
فيما عدا وعاء واحد
وعاء أكبر قليلاً من الأوعية الأخرى، تحطمت واجهته، وخلا من أية مخلوقات.. وفي صوت خافت، قال مدير المخابرات، وهو يشير إلى الوعاء المحطم: من الواضح أنها مركبة فضائية من عالم آخر، مهمتها جمع عينات من مخلوقات الحية، في الكواكب الأخرى
غمغم الرئيس وهو يهز رأسه، محاولاً تصديق ما يراه: سبحان الله.. لولا أنني أرى هذا بنفسي، لما تصورت حدوثه قط، إلا في أفلام وروايات الخيال العلمي
مط مدير المخابرات شفتيه، مغمغماً: كلنا هذا الرجل يا سيادة الرئيس
ثم تابع بنفس الاهتمام والخفوت: الفحص الأول يشير إلى أن هذه المركبة معدة بحيث يقودها اثنان من المخلوقات العاقلة، لقي أحدهما مصرعه مع السقوط في حين اختفى الثاني، وكذلك المخلوق الذي كان يضمه هذا الوعاء المحطم
سأله الرئيس في قلق: أتعتقد أنهم سبب ما نواجهه الآن؟
أومأ الرجل برأسه، مجيباً: بكل تأكيد يا سيادة الرئيس
تنهد الرئيس، قائلاً: وأيهما المسئول في رأيك
غمغم الرجل: وهل يصنع هذا فارقاً؟
هز الرئيس رأسه متمتماً: لست أعتقد هذا
ثم لوح بذراعه كلها، متابعاً في عصبية: ولكن لو أن المركبة قد سقطت وتحطمت هنا فلماذا يحدث كل هذا هناك، في القاهرة؟
تردد مدير المخابرات لحظة، قبل أن يقول في حذر: لدي نظرية في الواقع
لم يستطع إكمال عبارته، فقال الرئيس يستحثه على المواصلة: كلي آذان مصغية
حسم هذا تردد الرجل، وقال: أعتقد أن الخطر الحقيقي الذي نواجهه، هو ذلك المخلوق الذي فر من الوعاء المحطم، والذي يسعى للفرار على سطح كوكب يجهله، وقائد المركبة المتبقي يحاول استعادته بشكل أو آخر، وهو الذي نسف رأسه، عندما عثر عليه في الفندق
انعقد حاجبا الرئيس، وهو يدرس هذا الاحتمال، في حدود معلوماته، وقدرته على تخيل ما لم يواجهه في حياته قط، قبل أن يشير بسبابته، قائلاً: في هذه الحالة، لابد أن نفترض أن كليهما يمتلك القدرة على تقمص الهيئة البشرية، وكل الملاح لديه وسيلة لتعرف عينته على نحو أو آخر، ولهذا عثر عليه في الفندق
قال مدير المخابرات في حماسة: بالضبط، ولكن الملاح يجهل إلى حد ماطبيعة عينته بالكامل، بدليل أنه لم يتصور قدرتها على العودة إلى النشاط مرة أخرى
التقى حاجبا الرئيس أكثر، وهو يقول: وربما يدها عودتها بالفعل
تنهد مدير المخابرات قائلاً: ليت باستطاعتنا إبلاغه بوسيلة ما
هز الرئيس رأسه، قائلاً: ليس كل ما يتمناه المرء يدركه
ثم استدرك في حزم: ولكن هناك وسيلة حتماً، للقضاء على هذا الكابوس
عض مدير المخابرات شفتيه لحظة، قبل أن يجيب في أسف: المشكلة أن ذلك القاتل الدموي لا يتحرك وفق منهج مدروس، بحيث يمكننا تتبعه وتعقبه، إنه يختار ضحاياه عشوائياً، ومن أحياء مختلفة، ولو أننا حددنا مساره مرة واحدة، فربما
قاطعه رنين هاتفه المحمول الخاص، فالتقطه من جيبه في سرعة، وهو يقول في لهفة: ربما هناك جديد
غمغم الرئيس في توتر: جديد في أي اتجاه؟
ثم انعقد حاجباه، وهو يتابع الكلمات المقتضبة، التي تبادلها مدير المخابرات مع محدثه، قبل أن ينهي المحادثة قائلاً: يبدو أننا قد التقطنا طرف خيط
سأله الرئيس في لهفة: هل عثرتم عليه؟
هز المدير رأسه نفياً، وأجاب: بل ارتكب حادثة قتل أخرى
هتف الرئيس في غضب: وهل تعتبر هذا طرف خيط؟
أومأ مدير المخابرات برأسه، قائلاً: بالتأكيد
ثم مال نحو الرئيس، متابعاً في حزم: إنها أول حادثة تتبع مساراً معروفاً
وكان على حق في قوله هذا
فحادثة قتل مدير الفندق، كانت بالفعل طرف خيط
خيط من الدم..
*******
بدا صفوت شديد العصبية، وهو يتلفت حوله، في حجرة مدير الفندق الفاخر، المطل على النيل، قائلاً للدكتور أحمد: أسرع يا رجل.. أنا واثق من أنهم سيظهرون، بين لحظة وأخرى
غمغم أحمد في توتر: إنني أبذل قصارى جهدي، ولكن من الواضح أنه لم يكتفِ بالدم والنخاع هذه المرة.. لقد حطم قاعدة الجمجمة، وامتص منها المخ أيضاً
حدق صفوت فيه، هاتفاً: ماذا؟
أجابه في عصبية: المخ.. لقد حطم جزءاً صغيراً من قاعدة الجمجمة، وسحب المخ كله عبره
سأله صفوت بدهشة: وماذا سيفعل به؟
أجابه أحمد: يحتاج إليه حتماً للنمو
لم يكد يتم عبارته، حتى اقتحم الضخم المكان، وخلفه رجاله الأربعة، وتوقف عند الباب بنظرة صارمة قاسية، وهو يقول: أظنني أبلغتكما من قبل أن لا شأن لكما بهذه القضية
قال صفوت في عصبية، حاول أن يغلفها بلهجة ساخرة: أية قضية لقد كنا نقضي بعض الوقت في الفندق فحسب، و
قاطعه أحمد، وهو يقول بصرامة مفاجئة: هذا لن يفيد.. إننا نعلم كل شيء
تسللت لمحة من السخرية إلى ابتسامة الرجل وصوته، وهو يقول: تعلمون ماذا؟
أجابه أحمد في تحدٍ: نعلم أننا نواجه مخلوقاً غير بشري
انعقد حاجبا الضخم في توتر، فتابع أحمد في عصبية: مخلوق من عالم آخر
ازداد انعقاد حاجبي الضخم، وهو يرمقهما بنظرة صارمة غاضبة، قبل أن يشد قامته، قائلاً: أعتقد أن هذا يحتاج إلى حديث طويل
ثم قسا صوته على نحو مخيف، وهو يضيف: في مكان آخر
ومع قوله، ارتفعت فوهات مسدسات الرجال الأربعة، في وجهي أحمد وصفوت، مع نظرات صارمة متحفزة، جعلت صفوت يهتف في عصبية: ماذا تفعلون أيها الحمقى؟ أنا ضابط شرطة
مد الضخم يده إليه، قائلاً في صرامة: مسدسك أيها الرائد
هتف صفوت في عناد: ليس هذا من حقك
انعقد حاجبا الضخم بضع لحظات، في غضب شديد، ثم لم يلبث أن خفض يده، قائلاً في هدوء مباغت عجيب: حيث سنذهب، لا يصح أن يحمل أي شخص سلاحاً نارياً
ثم كرر في حزم: أي شخص
مضت لحظة من الصمت، تعلقت خلالها عينا صفوت بعيني الرجل، قبل أن يمد الأول يده في حزامه، فينتزع منه مسدسه، ويناوله للضخم، الذي ابتسم، قائلاً: أحسنت القرار
والعجيب، وعلى الرغم من كل ما يحيط بهما من ظروف، شعر أحمد وصفوت في تلك اللحظة، باطمئنان والأمان
إلى حد ما
*******
كيف تفعل هذا دون استشارة؟ -
هتف عريض المنكبين بالعبارة في حدة، في وجه الضخم الذي شد قامته في حزم، مجيباً: كان هذا أفضل ما يمكن عمله.. إنهما يعلمان
صاح به عريض المنكبين: بل هما يخمنان فحسب
قال الضخم: تركهما، بعد ما علماه كان أكثر خطورة
لوح عريض المنكبين بذراعه، قائلاً في حنق: يبدو أن الأمر قد أفلت منا بالفعل
نهض الطويل من مقعده، قائلاً: لست أعتقد هذا
هتف عريض المنكبين: بعد أن رأى كل هؤلاء ما حدث؟
هز الطويل كتفيه، قائلاً: وما الذي رأوه، ظاهرة عجيبة، سيروونها كما يروون قصص وحكايات العفاريت والأشباح، مجرد قصص، لا دليل على واقعها وصحتها، ورجال الشرطة سيكتمون الأمر بحكم وظيفتهم، وخشيتهم أن يتهموا بالحماقة وضعف العقل، أو حتى بالخوف والجبن
أشار عريض المنكبين بذراعه كلها، قائلاً في حنق: وماذا عن ضابط المباحث والطبيب الشرعي.. لقد سمعت بنفسك أنهما يعلمان.. أو على الأقل يستنتجان ما نواجهه
قال الطويل في سرعة: عظيم.. هذا يعني أن بإمكاننا الاستعانة بهما، دون أن نخشى شيئاً
انعقد حاجبا الضخم في دهشة، في حين تطلع عريض المنكبين إلى الطويل، ثم استدار يتطلع عبر النافذة لدقيقة أو يزيد، قبل أن يقول في حزم: فليكن.. سأذهب لمقابلتهما
وشرد ببصره وأفكاره بضع لحظات، ثم أضاف في عصبية: إننا نحتاج إلى طبيب شرعي على الأقل
سأله الضخم في قلق: وهل ستشرح لهما الأمر كله؟
أجابه عريض المنكبين في صرامة، وهو يلتفت إليه بحركة حادة: كلا بالطبع
ثم عاد إلى النافذة متابعاً في صرامة: أنت تعرف القاعدة الذهبية في عالمنا
وانعقد حاجباه في شده، وهو يضيف: المعرفة بقدر الحاجة... فقط
*******
تجربة فاشلة، من تجارب هندسة الوراثة -
ألقى عريض المنكبين العبارة في حسم، أمام أحمد وصفوت، فانعقد حاجبا الأول في شدة، في حين هتف الثاني في حيرة: هندسة ماذا؟
ابتسم عريض المنكبين، وهو يتراجع في مقعده، قائلاً: أنا مثلك تماماً، أجهل الكثير من التفاصيل العلمية والفنية عن هذه الأمور، ولكن كل ما أعلمه هو أن تلك التجارب الخاطئة، قد أسفرت عن وجود وحش طليق، أشبه بمصاص الدماء.. وحش يعتمد في وجوده على كل خلايا جسده، وليس على المخ وحده
قال صفوت: يا إلهي أهندسة الورثة هذه بشعة إلى هذا الحد؟
قلب عريض المنكبين كفيه، وكأنما يعلن عجزه عن الفهم في حين قال أحمد في حذر: وهل لدينا في مصر التكنولوجيا اللازمة، للقيام بتجارب معقدة كهذه؟
أجابه عريض المنكبين في هدوء: إنه مشروع مشترك... مصري أمريكي
هتف صفوت: كل الكوارث تأتي من الأمريكيين
هز الرجل كتفيه العريضين، دون أن يعلق على عبارة صفوت، ثم التفت إلى أحمد، قائلاً: الواقع أننا نحتاج إلى تعاونك يا دكتور أحمد، باعتبارك قد أصبحت خبيراً فيما يحدث.. لقد نقلنا جثة مدير الفندق إلى هنا، ولدينا قاعة مجهزة لفحصها. وستجد كل الأدوات اللازمة لذلك، و
قاطعه أحمد فجأة: وماذا عن القاتل؟
سأله: أي قاتل؟
أجاب أحمد في عصبية: ذلك الذي نسف رأس المخلوق في الفندق.. أهو جزء من هندسة تجارب الوراثة أيضاً؟
ازداد انعقاد حاجبي الرجل بضع لحظات، ثم لم يلبث أن مال نحو أحمد، قائلاً في صرامة شديدة: مادمت ستتعاون معنا، فلابد أن تتعلم حقيقة أساسية هنا.. لا أحد يعلم إلا بقدر ما يكفيه فحسب
قال أحمد في عصبية: أأنا مضطر للتعاون؟
تراجع الرجل في مقعدة، قائلاً في حزم: لا أحد مضطر لأي شيء هنا، ولكن الوطن يناديك، فهل أنت مستعد لتلبية ندائه
هتف صفوت في حزم وحماس: كلنا رهن إشارة الوطن
بدا التوتر أكثر وأكثر على وجه أحمد، فسأله عريض المنكبين في حزم صارم: وماذا عنك؟
صمت أحمد بضع لحظات، قبل أن يجيب: أنا مستعد لفعل كل ما تريدون
تراجع الرجل، قائلاً: عظيم ستتولى فوراً بحث جثة المدير، واستخراج التقرير الفني، بأسرع وقت ممكن، أما بالنسبة لك أيها الرائد، فستتولى التحقيق مرة أخرى، مع الحرص على السرية المطلقة، ومع ملاحظة أنك تعمل فعلياً لحسابناً، وكل تقاريرك ستوجه إلينا مباشرة، وسيتم إبلاغ رؤسائك بهذا، وصدقاني.. إنكما تقدمان بهذا خدمة للوطن.. خدمة جليلة
حاول أحمد أن يبتسم مجاملاً، إلا أن وجهه عجز عن رسم تلك الابتسامة الزائفة على شفتيه، فقد كان هناك عقله ينبئه بأن هناك الكثير مما يخفي الرجل
الكثير جداً..
*******
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحاً، عندما اتجه الدكتور حسن وهبي إلى المرآب الملحق بفيلته الأنيقة، وزوجته تهتف به من النافذة المطلة على الحديقة: حاول ألا تتأخر الليلة.. شقيقتي وزوجها سيقضيان السهرة معنا، ولا داعي لأن يتصورا أنك ترفض التواجد معهما، عندما حضرت مع أول نسمات الصباح في المرات السابقة
لوح بيده في ضجر قائلاً: سأبذل قصارى جهدي
مط شفتيه في حنق، وهو يتجه إلى سيارته الكبيرة مغمغماً: ياللسخافة الكل منشغل بالحفلات والسهرات، والبحث عن وسائل الترفيه والتسلية، ولا أحد يتذكر أنني طبيب جراح، ومدير مستشفى كبير
استقل السيارة، وهو يطلق زفرة محنقة، وأدار المحرك، و
وفجأة انتفض جسده في عنف، واتسعت عيناه عن آخرهما، وهو يحدق في مرآة السيارة الداخلية، التي نقلت إليه مشهداً بالغ البشاعة



مشهد وجه بلا ملامح، فيما عدا عينين بلون الدم، تحدقان فيه بنظرة ملؤها البغض والكراهية
وانفرجت شفتا الدكتور حسن، ليطلق صرخة ذعر، وهو يدفع جسده جانباً، محاولاً القفز من السيارة
ولكن يدا دامية باردة، كتمت أنفاسه بغتة، والتصقت بوجهه على نحو عجيب، في حين قفزت يد أخرى تقبض على عنقه، وتعتصره في قوة، فاتسعت عيناه في رعب هائل، وراح يضرب الهواء بذراعيه في رعب واستماتة
ثم فجأة، شعر بذلك الألم الرهيب في صدره، فجحظت عيناه عن آخرهما، حتى كادتا تثبان من محجريهما، وأدرك أن اليد الثانية قد تخلت عن عنقه
أدرك هذا في لحظة واحدة
لحظته الأخيرة..
*******
رفع الرائد صفوت عينيه في دهشة، يتطلع إلى الدكتور أحمد الذي بدا شديد الإرهاق والتوتر، وهو يقف أمامه شاحب الوجه، أشعث الشعر، وقد نمت شعيرات لحيته على نحو ضاعف من شحوبه
وجحوظ عينيه، فهب صفوت من مكانه وهو يجذب مقعداً، ويدفعه إليه، هاتفاً: يا إلهي اجلس يا رجل.. إنك تبدو كمن لم ينم لشهر كامل
جلس أحمد على المقعد وهو يقول بصوت شاحب: كان ينبغي أن أعود إلى منزلي على الفور، ولكنني أردت أن ألتقي بك أولاً، و..، و
وهتف صفوت: التقط أنفاسك أولاً يا صديقي.. يا إلهي.. إنك تحتاج إلى قدح من القهوة المركزة فوراً
أشار أحمد بيده، قائلاً: وقرص من الأسبرين
هتف صفوت وهو يضغط زراً على مكتبه: بالتأكيد
ألقى أوامره إلى جندي الخدمة بإحضار ما طلبه أحمد، ثم جلس خلف مكتبه، يسأله في أهتمام قلق: ماذا حدث؟
هز أحمد رأسه، وتراجع في مقعده، وهو يطلق زفرة متوترة، قائلاً: الأمر أبشع مما كنا نتصور
سأله في قلق شديد: ماذا تعني؟
لوح أحمد بيده، قائلاً: ذلك الوغد ليس مصاص دماء حقيقي فحسب، ولكنه ينتزع كل ما يمكنه انتزاعه من ضحيته، على نحو بشع.. لقد قمت بتشريح جثة مدير الفندق، وأنا أتصور أنه قد فقد دمه ونخاع عظمه ومخه فحسب، ولكني فوجئت بأن جسده يخلو من الكليتين والكبد أيضاً
اتسعت عينا صفوت، وهو يتراجع في حدة، هاتفاً: رباه هل التهمها؟
هز أحمد رأسه مجيباً: بل امتصها
هتف صفوت: امتص كليتين وكبداً؟
أوما أحمد برأسه، قائلاً في مرارة مرهقة: إنني لم أعثر سوى على فتحات صغير ودقيقة، على جانبى الجسم، ولا توجد أية فتحات تكفي لانتزاع الكليتين والكبد
تمتم صفوت: يا إلهي
نهض أحمد من مقعده، وراح يدور في الحجرة في توتر، وهو يقول: إنهم يخدعوننا.. إنها ليست تجارب هندسة وراثة كما يدعون.. الأمر يتجاوز هذا بكثير
سأله صفوت في حذر: ماذا تعني؟
استدار إليه أحمد في حدة، وقال في عصبية: إنني لم أتنازل عن نظريتي بعد
سأله صفوت في حذر: أية نظرية؟
أجابه في حدة: الكائنات الخارجية
ضرب صفوت جبهته براحته، هاتفاً: لا.. ليس مرة أخرى
صاح أحمد: هذا هو التفسير الوحيد
عاد جندي الخدمة بالقهوة والأسبرين في تلك اللحظة، فبدت عليه الدهشة، من أسلوب أحمد ولهجته، ولكن صفوت صاح به في صرامة: اترك كل شيء هنا وانتظر في الخارج
أسرع الجندي ينفذ الأمر، ويهرع إلى الخارج، في حين قال صفوت في توتر: اسمع يا صديقي... ربما يميل عقلك إلى ذلك التفسير الخرافي العجيب، ولكن الواقع يختلف تماماً.. إنها تلك الهندسة الموروثة، التي
قاطعة أحمد في عصبية: الهندسة الوراثية
لوح صفوت بيده، قائلاً: أيا كان اسمها.. المهم أنها المسئولة عما حدث، كما أخبرونا هناك، في الـ
قاطعه أحمد مرة أخرى في حدة: كذب كل هذا مجرد كذب.. إنهم يحاولون إخفاء الحقائق.. ولكنهم يعلمون.. يعلمون أنهم يواجهون مخلوقات من الفضاء الخارجي.. يعلمون.. يعلمون
ربت صفوت على كتفه قائلاً: اهدأ يا صديقي.. اهدأ.. ما رأيك لو استبدلنا بالقهوة كوباً من النعناع الدافئ، أو
دفع أحمد يده بعيداً، وهو يهتف في غضب: إنك لا تصدقني
زفر صفوت وقلب كفيه، قائلاً: إنني أبذل قصارى جهدي، ولكن
انطلق أزيز جهاز اللاسلكي في هذه اللحظة، ليقطع عبارته، فالتقطه متسائلاً: ماذا هناك هذه المرة؟
اتسعت عيناه عن آخرهما، ووثب من مكانه صارخاً: ماذا تقول؟ مستحيل أنا قادم على الفور
حدق أحمد فيه، متسائلاً في هلع: من هذه المرة؟
لوح صفوت بذراعه، هاتفاً: الدكتور حسن.. هل تذكره؟ إنه ذلك الطبيب، في المستشفى الكبير.. لقد.. يا إلهي لقد انتزع ذلك الوغد قلبه، بعد أن امتص كل قطرة دم في جسده
اتسعت عينا أحمد عن آخرهما، حتى بدا في هيئته هذه، كصورة مجسمة للرعب والهلع، وهو يقول: رباه الدكتور حسن.. ولكن هذا مستحيل مستحيل
ثم أمسك بكتفي صفوت في قوة هاتفاً: ألا تدرك ما يعنيه هذا يا رجل؟ إنه يهدم نظرية هندسة الوراثه هذه.. يهدمها من أساسها، و
واتسعت عيناه مرة أخرى، في ذعر بلا حدود، وهو يتراجع، قائلاً: إنه ينتقم.. يا إلهي إنه ينتقم.. لقد قتل مدير الفندق، ثم الدكتور حسن ولم يبقَ أمامه سوى.. سوى
وارتجفت كل ذرة في كيانه، وهو يحدق في وجه صفوت، مضيفاً: سوانا
وانتقلت ارتجافته إلى صفوت
وبمنتهى العنف..
*******
من السرب السابع إلى القاعدة.. أثناء تدريبات الاختراق، تم رصد جسم طائر مجهول الهوية.. نطلب الإذن بمطاردته فوراً
من القاعدة إلى السرب السابع.. ما الذي تعنيه بجسم طائر مجهول الهوية؟
من السرب السابع إلى القاعدة.. أمامنا جسم ضخم، في حجم حاملة الطائرات، له شكل أشبه بالسيجار الهائل، وهو يتجه مباشرة نحو الجنوب الغربي، عند الساعة الثامنة
من القاعدة إلى السرب السابع.. ذلك الجسم لا يبدو على شاشة الرادار... هل يمكنكم رؤيته بوضوح
من السرب السابع إلى القاعدة.. نحن نرصده بكل وضوح، وننطلق بأقصى سرعتنا، في محاولة للحفاظ على المسافة بيننا وبينه.. وعلى الرغم من هذا، فهي تتسع بسرعة كبيرة
من القاعدة إلى السرب السابع.. واصلوا تتبعكم لذلك الجسم المجهول دون أية محاولة للاحتكاك أو الاشتباك، لحين صدور أوامر أخرى
رباه هذا مستحيل -
من القاعدة إلى السرب السابع.. ما الذي يحدث عندك بالضبط؟
من السرب السابع إلى القاعدة.. ذلك الجسم انحرف فجأة بزاوية قائمة.. قائمة تماماً.. أعلم أن هذا مستحيل عملياً، تحت أي مقاييس، ولكنني أقسم أنه فعلها، وهو يتجه نحو الواحات الخارجة مباشرة
من القاعدة إلى السرب السابع.. توجد منطقة عسكرية محظورة، وبالغة السرية، بالقرب من الواحات الخارجة حاولوا منع ذلك الجسم المجهول من بلوغها بأي ثمن
من السرب السابع إلى القاعدة.. كيف يمكننا منعه ونحن عاجزون حتى عن بلوغه.. بل إن سرعته تتجاوز سرعة صواريخنا نفسها
من القاعده إلى السرب السابع.. حاولوا منعه بأي ثمن.. هل تسمعني؟ بأي ثمن
من السرب السابع إلى القاعدة.. كنا نتمنى أن نفعل، ولكن تلك المنطقة المحظورة تبدو أمامنا بالفعل.. وذلك الجسم توقف فوق منتصفها مباشرة.. يا إلهي نلمح جسما فضائياً مجهولاً، يستقر داخل حفرة كبيرة، و
من القاعده إلى السرب السابع.. امنع ذلك الجسم المجهول بأي ثمن
من السرب السابع إلى القاعدة.. سنطلق الصواريخ فوراً
من القاعده إلى السرب السابع.. نسمع دوي انفجارات.. هل قمتم بنسف ذلك الجسم المجهول
من السرب السابع إلى القاعدة.. كلا.. لم ننجح في هذا للأسف.. صواريخنا انحرفت عن الهدف لسبب مجهول، وارتفعت إلى أعلى، ثم انفجرت على ارتفاعات عالية جداً، يا إلهي؟ ما الذي يحدث؟
من القاعدة إلى السرب السابع.. ما الذي يحدث أمامكم؟
من القاعدة إلى السرب السابع..أجب.. أجب فوراً
من السرب السابع إلى القاعدة.. معذرة لتأخر الرد، ولكن ما يحدث أمامنا مذهل بكل المقايسس.. تلك المركبة الفضائية ترتفع محطمة من الحفرة العميقة، وتنطلق نحو ذلك الجسم المجهول، كما أنه مغناطيس ضخم.. ونحن عاجزون عن بلوغه... هناك طاقة ما تحيط به، وتؤدي إلى انحراف أجهزتنا بعنف
من القاعده إلى السرب السابع.. امنع ذلك الجسم المجهول من اختطاف المركبة المحطمة.. امنعه بأي ثمن
إننا نحاول ولكن -
من القاعده إلى السرب السابع.. ما الذي يحدث عندك.. ما تلك الفرقعة العنيفة.. أجب أيها السرب السابع.. أجب
من السرب السابع إلى القاعدة.. المركبة المحطمة التصقت بالجسم الضخم، ثم انطلق الاثنان إلى أعلى في خط مستقيم، واختفيا بغتة، كما لو أنهما قد اخترقا الغلاف الجوي بسرعة الضوء.. يا إلهي
هذا مستحيل تماماً لن يصدق أحد تقريرنا.. لن يصدقه مخلوق واحد
*******
إنها مخلوقات من الفضاء الخارجي، وليست مشكلات هندسة وراثة
ألقى أحمد العبارة في غضب عصبي، في وجه عريض المنكبين، الذي تراجع بمقعده في هدوء، وشبك أصابع كفية أمام وجهه، قائلاً: وما الذي جعلك تؤكد هذا؟ إنك لم تبدأ حتى فحص جثة الدكتور حسن
هز أحمد رأسه في قوة، قائلاً: لست بحاجة لفحصها، حتى أصل إلى استنتاج كهذا.. كصراع الرجل وحده يؤكد نظريتي
هز الرجل كتفيه قائلاً: لو أنك تقصد نظرية الانتقام، فهي لا تشيرسوى إلى أن ذلك المخلوق يحتفظ بذاكرته لخلاياه، كما يحتفظ بحياته فيها أيضاً
مال أحمد إلى الأمام، وقال في حدة: خطأ
ارتفع حاجبا الرجل في دهشة، فتابع أحمد في عصبية: لو أنها مسألة ذاكرة، لقتل ذلك الشيء مدير الفندق فحسب، ولسعى للبحث عن قاتله، أياً كان، ولكن ما حدث ليس كذلك على الإطلاق، فعينة الدم، التي صنعت ذلك المخلوق، تم انتزاعها منه قبل أن يلتقي بالدكتورحسن، ولم يكن من الممكن أبداً أن تحمل ذاكرة قديمة، ثم إن الأمر من المستحيل أن يكون مجرد مصادفة أن يقع اختياره على الدكتورحسن بالذات، من بين سبعين مليون مواطن.. بل الواقع أن ذلك المخلوق يتمتع بسمة، لا يتمتع بها أي كائن حي على وجه الأرض، حتى الكائنات التي تصنعها هندسة الوراثة، بكل أعاجيبها وتقنيتها.. إن ذاكرته لا تكمن في أعماقه، بل تنتقل بوسيلة ما، لا مثيب لها على الأرض، من جيل إلى آخر، حتى لو لم يلتق الجيلان أبداً، أو تكون بينهما أي صلات مباشرة.. إنه كيان واحد، إنه كيان واحد حتى ولو قمت بتجزئته إلى ألف كيان.. هذا ما يفسر التقاء الأجزاء الممزقة ببعضها، وإعادة تكوين الجسد، كما حدث مع سيارة دورية الشرطة، ويفسر أيضاً انتقامه من الدكتورحسن، الذي لم يره قط.. عينة الدم، التي كنا نحتفظ بها، في ثلاجة المعمل، كانت ترتبط طوال الوقت بذلك الجسم، الذي يعيد تكوينه.. ترى ما يراه وتشعر بما يشعر، وتواجه ما يواجهه.. لذا فقد أدركت ما أصابه، ورأت من فعل به هذا.. وهي الآن تسعى للانتقام
تطلع إليه عريض المنكبين طويلاً في صمت، ثم قال في صرامة: عد إلى منزلك يا دكتورأحمد.. أنت تحتاج لبعض النوم والراحة
هتف أحمد في حدة: ذلك الوغد يسعى للانتقام من صفوت ومنى.. إننا نحناج إلى حماية خاصة
مال الرجل إلى الأمام، وقال في صرامة أكثر: عد إلى منزلك يا دكتورأحمد، واترك لنا مهمة الحماية هذه
التقت نظراتهما على نحو حاد للحظة أو يزيد، ثم ذهب أحمد من مقعده، قائلاً: فليكن
ثم اندفع خارج الحجرة، فانعقد حاجبا عريض المنكبين لحظة، ثم التقط سماعة هاتفه، قائلاً: نعم يا سيادة المدير.. لقد رحل بالفعل.. أعلم.. أعلم نعم أعلم ما حدث في الواحات الخارجة.. ربما لا يعني شيئاً على الإطلاق يا سيدي، ولكننا سنتتبع الخيط.. سنتتبعه حتى نهايته
وأنهى الاتصال، ثم نهض يتطلع عبر نافذة حجرة مكتبه إلى دكتور أحمد، وهو ينطلق بي من السرب السابع إلى القاعدة.. بسيارته مغادراً المكان، وغمغم في توتر: رباه إنه أملنا الأخير.. ترى هل
ولم يتم سؤاله..
لم يتمه أبداً
*******
على الرغم من التوتر العنيف الذي كان يشعر به الدكتور أحمد وهو يدلف إلى منزله، كان النعاس يداعب عينه على نحو عجيب
صحيح أنه يشعر بإرهاق عنيف، لم يشعر بمثله في حياته كلها.. إلا أنه من العجيب أن يهاجمه النعاس على هذا النحو، مع شدة توتره
إلا إذا..
استعاد ذهنه مشهد كوب العصير الطازج، الذي قدمه له عريض المنكبين، وأصر على أن يشربه كله، وتذكر ذلك الطعم اللاذع فيه، ثم هتف: ياللسخافة لقد دسوا لي عقاراً منوماً
كان يجر قدميه جراً، وهو يتجه إلى حجرة نومه، وما أن ألقى جسده على فراشه، حتى التقط سماعة الهاتف، وطلب رقم صفوت، ولكن رنين الجرس استمر طويلاً طويلاً جداً
وبلا جواب..
وكررأحمد الاتصال مرة
ومرة..
ومرات..
وأخيراً شعر بالحنق والأسى، فألقى سماعة الهاتف، قائلاُ، وهو يغالب النعاس بصعوبة: لماذا يدفعونني للنوم عمداً، لماذا؟
كان عقله يحاول التفكير في الأمر، ولكن العقار المنوم راح يسيطر على كيانه رويداً رويداً، حتى أسبل جفنيه، وغرق في نوم عميق
*******
وعلى الرغم من أن العقار المنوم، كان نومه مضطرباً إلى حد كبير
كان عقله حتى في نومه يستعيد كل ما مر به من أحداث رهيبة، ومشاهد بشعة، منذ بدأ ذلك الكابوس
وفي عنف راح يتقلب في فراشه كالمحموم، وأشباح عجيبة تمر بر